الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
315
نفحات الولاية
أوليس بني ناجية مسلمين ، فكيف يسبون ويفادون ؟ ويبدو أنّ الجواب قد ورد في قصة سبيهم ، حيث خرج الخريت بن راشد الناجي ضد أمير المؤمنين عليه السلام واجتمع مع عدد من الأفراد ، فلما بلغ الخبر الإمام عليه السلام . فوجه الإمام عليه السلام أحد أصحابه « معقل بن قيس » لقتال الخريت بن راشد فقتله وقتل جمعاً من أصحابه وأسر آخرين من مسلمين وغير مسلمين من النصارى ومانعي الصدقة ، فجعل مسلميهم يمنة والنصارى ومانعي الصدقة يسرة ، ثم خلى سبيل من كان مسلماً وأخذ بيعته ، ومن كان إردتد عرض عليه الرجوع إلى الإسلام أو القتل . فلما أتي بالأسرى إلى الإمام عليه السلام في منطقة أردشير حرّة التي كان مصقلة عاملها ، فبكى إليه النساء والصبيان وتصايح الرجال . فقال مصقلة : أقسم باللَّه لأتصدقن عليهم ، فاشتراهم بخمسمائة ألف درهم فأعتقهم . فبعث مصقلة بمقدار من المال وبقي آخر . وانتظر علي عليه السلام مصقلة أن يبعث المال فأبطأ به فبعث إليه الإمام ، فقدم الكوفة ، فسأله الإمام عليه السلام المال ، فأدى إليه مائتي ألف درهم وعجز عن الباقي ، على أن يهبه الإمام عليه السلام ذلك ، فلم يقبل الإمام عليه السلام ، ولو وافقه الإمام عليه السلام لكان ذلك الأمر بدعة بحيث يشتري الآخرون الأسرى ثم يعتقونهم ولا يؤدون المال إلى بيت مال المسلمين ، إلى جانب كون تلك الموافقة تثيير تداعيات سياسة عثمان إزاء بيت المال بحيث يساء الظن بحزم الإمام عليه السلام بالنسبة لبيت مال المسلمين . والعجيب أنّ أحد أصحابه قال له : لو شئت لم يمض عليك جمعة حتى تجمع هذا المال ، فقال : ما كنت لأحملها قومي ، ولا أطلب فيها إلى أحد . ثم قال : واللَّه لو أنّ ابن هند مطالبي بها ، أو ابن عفان ، لتركها لي . فهذه الأمور تشير إلى أنّه قد يكون منذ البداية قد عزم على عدم أدائها ، كما تفيد الرسالة الثالثة والأربعون من نهجالبلاغة أنّه كان عثمانياً ، ولذلك كان قد بذل بعض أموال بيت المال لبطانته وقومه ، وخلاصة القول فان بنيته الفكرية والعملية كانت قائمة على نهج معاوية لا أمير المؤمنين عليه السلام . ولعله كان رجلًا صالحاً قبل وصوله إلى الحكومة إلّاأنّ حب الدنيا والاغترار بالجاه قد غلب عليه . ومن هنا شقت عليه عدالة الإمام عليه السلام حتى التحق في خاتمة المطاف بمعاوية . فخطب الإمام عليه السلام هذه الخطبة واختتمها بقوله « ولو أقام لأخذنا ميسوره ، وانتظرنا بماله وفوره » . « 1 » ويتضح ممّا ذكرنا أنّ الاسرى المذكورين لم يكونوا من المسلمين .
--> ( 1 ) شرح نهجالبلاغة لابن أبي الحديد 3 / 128 - 150 بتصرف .